قراءة في كتاب التوقي والاستنزاه عن خطأ البناني في معنى (الإله)
المؤلف هو أبو الفضل عبد الله بن الصديق الغماري الحسني وهو كتاب يدور حول بيت شعر تم ذكر كلمة الإله في شرحه بمعنى خاطىء كما قال الغمارى في مقدمته القصيرة جدا وهى:
"أما بعد ...
فهذا جزء سميته: ((التوقي والاستنزاه، عن خطأ البناني في معنى الإله))، وأرجو من الله أن يوفقني للصواب، إنه الكريم الوهاب"
استهل الغمارى الكتاب بذكر بيت الشعر وشرحه فقال :
"فصل
قال صاحب السلم:
فمفهم اشتراك الكلي……كأسد، وعكسه الجزئي
قال العلامة البناني في شرحه:
(يعني أن الكلي هو الذي يفهم الشركة في معناه، أي لا يمنع نفس تصور معناه من صدقه على متعدد، كإنسان وأسد، فدخل في تعريف الكلي أنواع).
فذكر النوع الأول ثم قال:
(النوع الثاني: ما وجد منه فرد واحد، إما مع استحالة وجود غيره، بدليل خارج عن تصوره، كالإله، أي المعبود بحق، فإن مجرد تصور معناه لا يمنع من تعدد مصدوقه، لكن قام الدليل القاطع على وجوب انفراد الله تبارك وتعالى بالألوهية واستحالة ثبوتها لغيره.
وتفسير الإله بالمستغني عن كل ما سواه المفتقر إليه كل ما عداه، لا يمنع كونه كليا، إذ لا يوجب تشخصه؛ لأنه بهذا المعنى يحتمل أن يصدق على كثير، على سبيل البدلية، وكذا يقال في مفهوم الواحد ونحوه) "
وصاحب السلم جعل من الكلى الذى عكسه الجزئى الله تعالى وهو كلام خاطىء أساسا فالجزئى هو بعض من الكلى فليس عكسه وإنما بعض منه فالإنسان كلى منه الجزئى كالرأس والبطن والصدر ومثلا الكتابة كلية والحروف والكلمات بعض منها
والله لا ينطبق عليه كلمة الكلى الذى الجزئى بعضه منه لأنه بتعبير القرآن واحد لا يتجزأ ولا يتبعض وقد فطن الغمارى لهذا فقال في نقده :
"كان ينبغي إسقاط هذا القسم من أقسام الكلي؛ لأنه موهم في مقام الألوهية ما لا يصح في حقه تعالى من التعدد والجسمية والتركيب، فلا ينبغي إطلاقه، كما صرح به القرافي في شرح التنقيح، ونصه: (إطلاق لفظ الكلي على واجب الوجود سبحانه فيه إيهام، تمنع من إطلاقه الشريعة، فلذلك تركته أدبا) .
قال سيدي عيسى الكتاني: (وكذا الجزئي، يوهم النسبة إلى جزء الشيء الموضوع للمجموع، فلذلك يستحيل في حقه تعالى) اهـ.
يعلم من هذا أن إطلاق لفظ "الكلي" على الإله لا يجوز شرعا للإيهام المذكور، ولأن فيه إساءة أدب.
وهذا أول خطأ من البناني رحمه الله تعالى."
إذا سبب منع اطلاق كلمة الكلى هى الله سببها أنه تشير إلى وجود أبعاض وأجزاء له والله كما سبق القول واحد لا يتبعض ولا يتجزأ كما قال تعالى:
" قل هو الله أحد "
ثم بين الغمارى الخطأ الثانى الذى وقع فيه أهل المنطق ومنهم البنانى والقرافى فقال:
"الثاني –ويشاركه فيه القرافي ومعظم أهل المنطق-: أن الإله ليس بكلي، بل هو خاص بالله تعالى، مثل الرحمن، وفي الناس كثيرون اسمهم عبد الإله، وإطلاقه على معبودات المشركين لا يجعله كليا، لأنه ليس بإطلاق حقيقي.
قال الفيومي في المصباح المنير: (الإله المعبود، وهو الله سبحانه وتعالى، ثم استعاره المشركون لما عبدوه من دون الله تعالى) اهـ.
وقال الراغب في مفردات القرآن: (وإله حقه ألا يجمع؛ إذ لا معبود سواه، لكن العرب لاعتقادهم أن ههنا معبودات جمعوه فقالوا: الآلهة)
وفي القرآن الكريم ((ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان))، وهذه الآية من أدلة القائلين بأن اللغة توقيفية.
تبين من هذا أن الإله علم خاص، كما قلنا، وأنه لتضمنه معنى العبادة، أطلقه العرب على معبوداتهم على سبيل الاستعارة، وتوهم أهل المنطق أن هذا إطلاق حقيقي، فزعموه كليا، مع أنه علم خاص.
ونظير هذا إطلاقهم لفظ "حاتم" على الكريم، اشتقاقا من معنى الكرم الذي كان صفة حاتم الطائي المعروف، ولم يخرجه ذلك الإطلاق عن علميته الشخصية.
كذلك لفظ "الإله" لا يخرجه إطلاقه على المعبودات اشتقاقا من معنى العبادة عن علميته الخاصة بالله تعالى."
والغمارى بهذا يقول أن المفترض عدم جمع أو تثنية كلمة إله وهو كلام ليس صحيحا لأن الله استعمل في القرآن التثنية والجمع لكلمة إله لبيان فساد تلك الاعتقادات فقال مثلا :
"وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله "
وقال:
"وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد"
وقال :
"لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا"
وقد يكون التعبير قد خان الغمارى ومن نقل عنهم فقد أراد أن كلمة الإله كحقيقة لا تنطبق سوى على الله وأما كلفظ فهو يطلق على غيره مما يعتقد الكفار
ثم قال الغمارى:
"الثالث: أن الكلي إنما يتأتى في الممكنات، كالنبي والملك والعرش والكرسي واللوح والقلم والسماء والشمس والقمر والفلك والكوكب والروح والنفس والإنسان والحيوان والنبات وما إلى ذلك مما يتركب من أجناس وفصول، ويدخل في دائرة المقولات العشر المجموعة في قول القائل:
زيد الطويل الأبيض ابن مالك……ببيته بالأمس كان متكي
بيده غصن لواه فالتوى……فهذه عشر مقولات سوا
أما واجب الوجود سبحانه فهو منزه عن ذلك كله، ليس شيء من أسمائه وصفاته كليا يتركب من جنس يشترك به مع غيره، ولا من فصل يميزه عنه، بل هي خاصة به كخصوص العلم الشخصي بمسماه."
والتعبير هنا خان الغمارى مرة أخرى فهو يتحدث عن الحقيقة فقط ولكن اللغة لا تستعمل في الحقيقة وحدها وإنما تستعمل في الكذب كإطلاق اسم الرحمن على كذاب اليمامة رحمان اليمامة وقد تستعمل بمعنى في المخلوق وبمعنى أخر في الإله مثل تسمية الرسول رءوف رحيم كتسمية الله والمعنى مختلف فرأفة ورحمة الرسول تعنى التعامل المفيد مع الناس فهى رحمة قاصرة تقتصر على أمور قليلة بينما تعنى في حالة الله النفع الكثير والذى لا يقتصر على نوع واحد فهى رحمة أو رأفة واسعة كما قال تعالى :
" ورحمتى وسعت كل شىء"
ثم قال:
"الرابع: إن الكلي لا يتصور كونه محالا، إذ هو ما له جزئيات موجودة كالحيوان، أو ممكنة الوجود كجبل ياقوت.
والمستحيل عدم محض، ليست له صورة في الذهن، ولا يمكن أن تكون له صورة، ولا يدرك إلا بطريق التشبيه، كأن يمثل اجتماع السواد والحلاوة في العنب مثلا، ثم يقال: مثل هذا الاجتماع لا يكون بين السواد والبياض، فكيف يتصور كونه كليا له جزئيات ؟!!
والذين اعتبروا "الإله" و"شريك الباري" كليين، مخطئون لم يعرفوا معنى المحال على حقيقته، أو اشتبه عليهم الأمر حين وجدوا كليا جزئياته معدومة، كجبل ياقوت وبحر زئبق، واعتبروا المحال كليا مثله، لكن بينهما بون شاسع؛ لأن الممكن المعدوم قابل الوجود، وقد أخبر الله أن في الجنة أنهارا من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهارا من عسل مصفى، وهذه الأمور ممكنة غير موجودة في الدنيا وهي موجودة في الآخرة، بخلاف المحال؛ فإنه مغرق في العدم لا يقبل الوجود أبدا بحال، لا في الخارج ولا في الذهن، وجود جزئيات الكلي مترتب على وجود صورة له في الذهن، والمحال لا صورة له، ولا يذكر إلا منفيا.
والخلاصة أن الكلي لا يكون إلا في الممكنات فقط دون المحال، وواجب الوجود."
وهذا كلام صحيح ثم قال :
"الخامس: إن قول البناني في بيان كلية الإله: (مجرد تصور معناه لا يمنع من تعدد مصدوقه، لكن قام الدليل القاطع على وجوب انفراد الله تبارك وتعالى بالألوهية) يشتمل على تهافت وتناقض، إذ حاصله: أن الإله مصدوقه متعدد عقلا.
وهذا تناقض واضح لا خفاء فيه، والإله مصدوقه واجب الانفراد في واحد عقلا"
ثم قال :
"السادس: وهو مبني على ما قبله: أن جواز تعدد الإله قائم ثابت، وأن قيام الدليل القاطع على وجوب انفراد الله بالألوهية لا يمنع منه؛ لأن ما بالذات لا يتبدل، وفي هذا من الخطر ما لا يخفى، بل هو هدم للتوحيد من أصله.
السابع: أن زيادته لفظ "بحق" في معنى الإله، لا أصل لها في اللغة، ولا علاقة للعقل بها، فالإله هو المعبود، وكونه معبودا بحق حكم شرعي، والأحكام لا تدخل في الحدود
قال صاحب السلم:
وعندهم من جملة المردود……أن تدخل الأحكام في الحدود
الثامن: قال البناني: (تفسير الإله بالمستغني عن كل ما سواه المفتقر إليه كل ما عداه، لا يمنع كونه كليا، إذ لا يوجد تشخصه؛ لأنه بهذا المعنى يحتمل أن يصدق على كثير على سبيل البدلية)
إغراق في الخطأ، وتشبث به إلى حد التزمت والتعصب، حتى أنه لم يفرق بين ما يعين المسمى ويخصصه، وبين ما ليس كذلك.
ومن البديهيات في علم المنطق أن التشخص في الجزئي يمنع الاشتراك فيه، فـ"إنسان" كلي يقبل الاشتراك، و"زيد" جزئي لا يقبل الاشتراك لتشخصه وتعينه.
ولو فرضنا أن الإله بمعنى المعبود كلي، لشموله لمعبودات، فإن تفسيره بالمستغني عن كل ما سواه المفتقر إليه كل ما عداه، تخصيص له بما لا يشاركه فيه غيره، فهو بمنزلة التشخص في زيد، ذلك أن المعبودات بجميع أنواعها لا تستغني عن المحل والمخصص، وهي مفتقرة إلى ما يملكها، بل الممكنات كلها مفتقرة غير مستغنية.
ثم إن اللفظ يصدق على كثير على سبيل البدلية ليس بكلي، بل هو نكرة في سياق الإثبات، كرجل ورقبة ودرهم، ويسميه أهل الأصول مطلقا، وكلامنا في الإله العلم، ولا تتأتى فيه البدلية أبدا بحال؛ لأنه علم خاص بالإله كما بينا، وهو الذي لا يجوز غيره، وإن كان كليا على القول الضعيف الساقط، فيعم المعبودات عموما شموليا.
فظهر بطلان كلام البناني على جميع الاحتمالات.
ثم إن قوله: (إذ لا يوجب تشخصه) خطأ تاسع، والصواب أن يقول: إذ لا يوجب تعينه، لأن التشخص لا يجوز أن يضاف إلى الله تعالى"
وبهذا يكون الغمارى قد بين تسع أخطاء في قول البنانى وبعد ذك حدثنا قضايا كرر بعضها في كلامه السابق فقال :
"إيرادات والجواب عنها:
الأول: دعوى أن المحال ليس بكلي، تخالف ما أطبق عليه أهل المنطق من اعتبار شريك الباري كليا، كذلك الإله، وإن لم يذكروه تأدبا، كما مر، وتعريف المحال يقتضي كليته.
والجواب عليه: مسائل المنطق لا يحتج فيها بالإجماع، ولا بقول الأكثر، وإنما العبرة فيها بما يقضي به العقل والفكر السليم.
وبناء عليه نقول: لا يخفى أن الكليات مبادئ التصورات التي هي حدود ورسوم لماهية الموجودات الممكنة، فالحدود والرسوم تتركب من أجناس وفصول وخواص، كما هو معلوم، والموجودات نوعان: موجودات بالفعل كالحيوان والإنسان، وموجودات بالقوة كنهر لبن وبحر زئبق وجبل ياقوت، فإن هذه الأشياء ممكنة الوجود وإمكان الشيء كوقوعه، فهي موجودة بالقوة.
والكليات التي تدخل في التعريف تقع على أشياء موجودة في الذهن أو في الخارج، كالإنسان والحيوان مثلا.
والمحال لا يتصور في العقل وجوده، ويسميه الحكماء منفيا، والعقل لا يمكن أن يتصور اجتماع البياض والسواد في ثوب واحد أو شخص واحد، وبالضرورة لا يمكن تصور أفراد لما لا يمكن تصوره في نفسه.
فثبت أن المحال لا يكون كليا"
وهذا الكلام الفلسفى هو كلام بشرى يجوز فيه الصواب والخطأ فعلم المنطق هو تصور لغوى لشخص ما حيث يحصر الأمور في أمور لغوية يسمونها الحدود وما شابه والواقع في أحيان عديدة يكذب تلك الحدود
ونقل الغمارى قول أحدهم في مسألة أفراد الكلى الممتنع فقال:
"الثاني: قال الشيخ سعيد قدورة في بيان أفراد الكلي الممتنع: (فإن الجمع بين البياض والسواد جمع بين الضدين، والجمع بين القيام والقعود جمع بين الضدين، والجمع بين الترقي والتدلي جمع بين الضدين، فتبين أن الجمع بين الضدين واقع على كثيرين، وأفراده كلها ممتنعة الوجود في الخارج) اهـ.
والجواب عليه: أن هذا الكلام يشتمل على أوهام:
"1-أن الجمع بين الضدين مثال لمحاولة فعل المحال الذي هو اجتماع الضدين."
واجتماع الضدين ليس محالا كما يقول الغمارى فنجد البياض والسواد يجتمعان في العين كما يجتمعان في مرحلة الشيب في الشعر كما تجتمع الحرارة والبرودة في الجسم فنجد مثلا قدم الإنسان باردة ثلج كما يقال من الخارج لكن لو جرحناها فسيخرج منها دم حار
ثم قال :
2- أن أفراد المحال ليس لها وجود في الخارج ولا في الذهن، كالحيوان فإن أنواعه من الإنسان والفرس والبقر والإبل يتحقق فيها معنى الحيوانية، أي جسم نام حساس متحرك بالإرادة، وكذلك إنسان بالنسبة إلى أفراده.
وهذا إنما يتأتى في الماهيات الممكنة التي يتمايز أفرادها بالتشخص في الوجود الذهني، أو الخارجي.
وماهية المحال عدم بحت، لا تقبل الوجود في الخارج ولا في الذهن، والعدم لا تمايز فيه بين المعلومات."
وكلام الغمارى هنا عن عدو وجود المحال في الذهن يخالف ذكره وتفكيره فيه فلو كان منعدما في الذهن ما فكر فيه ولا تحدث عنه كمنفى وما شاكل هذا فالمحالات توجد في الذهن بدليل أن الله طلب من الإنسان التفكير في بعضها فقال مثلا:
"قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون"
فالله هنا طلب من الفرد أن يتخيل في ذهنه كون الليل مستمر دون نهار حتى القيامة
وقال :
"والمحال ليس بشيء، ولا يسمى شيئا، والكلي إنما يطلق على شيء موجود بالفعل أو بالقوة.
وتعدد الأفراد في الأسئلة التي ذكرها الشيخ سعيد إنما هي أمثلة لمتعلق المحال، أعني الضدين، فإنه لفظ عام، يشمل الأبيض والأسود، والقيام والقعود، والترقي والتدلي، والليل والنهار، وغير ذلك من الأضداد الموجودة، فالتعدد وقع فيها لا في المحال الذي هو سلب اجتماعها.
وقد اشتبه الأمر على الشيخ سعيد رحمه الله تعالى، ألا ترى أنك لو ذكرت محالا لا يتعلق بعدم شيء، فإنك لا تجد له أفرادا أبدا، وذلك مثل شريك الباري تعالى فتأمل هذا، فإنه دقيق"
وقال :
3- قوله: (وأفراده كلها ممتنعة الوجود في الخارج يقتضي أن أفراد المحال موجودة في الذهن) وهو خطأ محض، بل هي ممتنعة الوجود فيهما"
وهذا الكلام من أوهام الغمارى فكما سبق الاستدلال على وجود المحالات في الذهن وإلا ما استقام نفيها
ثم قال:
"الثالث: دخول النفي العام على إله، في قولنا: لا إله إلا الله، يؤيد القول بكليته، لأنه لا يجوز أن يقال: لا زيد في الدار، وإنما يقال: لا إنسان في الدار.
والجواب عليه: أن النفي توجه باعتبار الإطلاق المجازي، أي لا معبود إلا الله، وهذا كما يقول: لا حاتم إلا فلان، أي لا كريم، أو لا قس إلا فلان أي لا فصيح، وهكذا.
فالكلمة المشرفة تنفي الألوهية عن معبودات المشركين، الذين أطلقوا عليها اسم الإله، مجازا، اشتقاقا من معنى العبادة الخاصة بالله تعالى، فإله في الكلمة المشرفة كلي في المعنى المجازي، كما أن لفظ حاتم كلي؛ لاستعماله في الكريم مجازا، وهو في الحقيقة علم شخصي.
الرابع: اختار السنوسي أن معنى إله، في كلمة التوحيد: لا مستغنيا عن كل ما سواه، ومفتقرا إليه كل ما عداه إلا الله، فهو على هذا كلي، خلاف ما سبق من أنه خاص بالله، لا يشاركه فيه غيره، وأنه بمنزلة التشخص في زيد.
والجواب عليه: أن ما سبق هو الحق، وما سواه باطل، وما اختاره السنوسي هو الذي غر البناني، وأوقعه في ذلك الخطأ الفاحش الذي مر بيانه.
والسنوسي إنما اختار هذا المعنى ليجعل كلمة التوحيد شاملة للصفات الواجبة لله تعالى، لكن ما اختاره غير صحيح لأمور:
1- أنه تكلف في إدخال في تلك الصفات، بما لا دليل عليه، ولا حاجة تدعو إليه.
2- أنه لزم عليه جعل ذلك المعنى كليا، وهو بمثابة جعل العلم الشخصي كليا، وذلك باطل بالضرورة.
3- أن الإله لم تستعمله العرب إلا بمعنى المعبود، وكذلك جاء في القرآن: ((إنهم كانوا إذا قيل لهم: لا إله إلا الله يستكبرون، ويقولون إنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون...))، ((وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله...))، ((والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى..)) ((أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب ...))، ((وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين، إنما هو إله واحد)).
فالإله في هذه الآيات وغيرها مفردا ومجموعا ومثنى معناه المعبود، ونفي المعبودات في الكلمة المشرفة كاف في إثبات التوحيد ونبذ الشرك، ولذلك جعلها الشارع دليلا على الإسلام وعنوانا له لأنه يلزم بالضرورة من نفي المعبودات نفي خصائص الألوهية عنها، فلا حاجة إلى زيادة ما تكلفه السنوسي وغيره، في شرح الكلمة المشرفة."
ومن هذا البحث نجد أن إدخال الله في البحوث المنطقية التى هى أصلا قواعد لغوية يخترعها كل فيلسوف وقد بين الغمارى سبب تأليفه للكتاب وهو تدريسه شرح البنانى للطلاب وطلبهم منه أن يكتب ما بينه من ألخطاء في الشرح فقال:
"خاتمة:
وهذا آخر ما رأيت كتباته في هذا الموضوع، الذي لم يتنبه له أحد فيما علمت، والحمد لله على توفيقه وإلهامه، وأسأله القبول بالفضل والداعي إلى تحرير هذا البحث، أني درست للطلبة بزاويتنا الصديقية شرح البناني على السلم، فلما وصلت إلى هذا الموضوع وبينت لهم خطأ ما قرره بناني كغيره من المنطقيين، طلب مني بعضهم كتابة ذلك البحث، فأجبت طلبهم لما فيه من عموم الفائدة، وكان أنس رضي الله عنه يقول لبنيه: يا بني قيدوا العلم بالكتابة.
أما مسألة تعلق القدرة بالمحال، فلي فيها رسالة اسمها: (رفع الإشكال عن مسألة المحال)، أتيت فيها بما لم يسبقني إليه أحد، والحمد لله.
تتمة: علم مما حررناه أن الكلي والجزئي، لا يكونان إلا ممكنين، أما واجب الوجود والمحال فلا شيء منهما يكون كليا، لما مر بيانه بتفصيل"