نقد كتاب تفسير آية"أقم الصلاة لدلوك الشمس"
الكتاب تأليف علي بن عبد الرحمن العويشز القضيب وفى مقدمته قال:
"وفي هذا البحث المتواضع أعرض لتفسير آية من آيات الأحكام التي تبيين المواقيت الزمانية لأعظم عبادة عملة شرعها رب الأرباب وملك الملوك جل في علاه وتقدس أبين مواقيت الصلاة من خلال تفسيري لآية الإسراء : { أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا }ومن الآيات التي بين الله جل ذكره فيها مواقيت الصلاة قوله تعالى في سورة الإسراء : { أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا } "
بداية الآية ليست فى مواقيت الصلاة فالصلاة هنا الدين اى حكم الله والآية ليس فيها تفصيل للأوقات الخمسة المعروفة عند الناس وتفسير الآية هو :
"أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا " طلب الله من نبيه (ص)أن يقم الصلاة والمراد أن يطيع الدين مصداق لقوله بسورة الشورى "أن أقيموا الدين"لدلوك الشمس حتى غسق الليل والمراد من طلوع الشمس حتى بداية ظلمة الليل وهى طرفى النهار مصداق لقوله بسورة هود"وأقم الصلاة طرفى النهار"ويبين له أن المقام أى المطاع هو قرآن الفجر وهو كتاب النور وقرآن الفجر كان مشهودا والمراد وكتاب النور أى الصلاة كان مفروضا طاعته من كل مؤمن مصداق لقوله بسورة النساء"إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا"ويبين له أن من الليل عليه أن يتهجد به أى أن يعمل بكتاب النور نافلة له أى فرض عليه وهذا هو بقية قوله بسورة هود"وزلفا من الليل "فيجب طاعة كتاب الله وقت الصحو فى النهار والليل ويبين له نتيجة طاعته وهى أن يبعثه ربه مقاما محمودا والمراد أن يدخله خالقه مكانا حسنا هو الجنة
ودعونا نتتبع الوقت فدلوك الشمس هو طلوعها وغسق الليل هو مجىء ظلام الليل ومن ثم فهى دليل على النهار فقط وبداية الليل وهو وقت الصحو
ثم قال:
"وفيها مسائل :
المسألة الأولى : مناسبة الآية لما قبلها :
لا شك أن الترتيب التوقيفي للآيات القرآنية بحد ذاته علم عظيم من علوم هذا الكتاب العزيز ، وضرب من ضروب العظمة التي حيرت العقول ، وأخذت بمجامع الألباب ومن هذه الآيات التي تبدو لأول وهلة أن لا صلة لها بين جاراتها قوله تعالى: { أقم الصلاة لدلوك الشمس } وذلك أن الآيات قبلها تتحدث عن وحدانية الله عز وجل ، وتقرير البعث والنشور ، وامتنانه على خلقه جل في علاه بهذه النعم التي يسوقها للعباد ، وتخويفه سبحانه لهم من سخطه وأليم عقابه ، وأن الله تعالى ثبت ونصر عبده ونبيه محمد- (ص)- من كيد الكفار المحاربين له والشانئين لدعوته ودينه ، وبين سبحانه أن هذه سنة سنها الله عز وجل في نصر عباده المؤمنين على أعدائهم ، بعد ذلك أمره بإقامة الصلاة
فما العلاقة والمناسبة بين إقامة الصلاة وما قبلها من قضايا ؟
يوضح لنا الإمام البقاعي ذلك قائلا :
" ولما قرر أمر أصول الدين بالوحدانية ، والقدرة على المعاد، وقرر أمرهم أحسن تقرير ، واستعطفهم بنعمه ، وخوفهم من نقمه ، وقرر أنه سبحانه عصمه (ص)من فتنتهم بالسراء والضراء بما أنار به من بصيرته ، وأحسن من علانيته وسريرته ، صار من المعلوم أنه قد تفرغ للعبادة ، وتهيأ للمراقبة ، فبدأ بأشرفها فوصل بذلك قوله تعالى { أقم } أي حقيقة بالفعل ، ومجازا بالعزم عليه { الصلاة } بفعل جميع شرائطها و أركانها ومبادئها وغاياتها ، بحيث تصير كأنها قائمة بنفسها ، فإنها لب العبادة بما فيها من خالص المناجاة "
وكذلك نجد الإمام أبي عبد الله القرطبي رحمه الله تعالى يشير إلى شيء من ذلك بقوله :" لما ذكر مكايد المشركين أمر نبيه عليه السلام بالصبر والمحافظة على الصلاة وفيها طلب النصر على الأعداء ومثله : { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين }
أقول : بهذين النقلين يمكن معرفة طرفا من مناسبة الآية لما قبلها من الآيات والله أعلم وأحكم"
البحث أساسا فى أوقات الصلاة طبقا للآية ومن ثم فالكلام عن علاقة الآية بما قبلها وما بعدها ليس منه أى فائدة خاصة مع تنوع الموضوعات وما نقله خاصة الثانى لم يربط الآيات
ثم قال:
"المسألة الثانية : الأمر بإقامة الصلاة :
لم تأتي آية واحدة تأمر بمجرد أداء الصلاة ، وإنما الأوامر الربانية تأتي بإقامة هذه الشعيرة العظيمة من شعائر ديننا الإسلامي
قيقول الله تبارك وتعالى : { وأقم الصلاة لذكري } وقوله جل ذكره : { وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون } وغيرها من الآيات
إن هذا الأمر يدل على عناية الله سبحانه بهذه الصلاة ، وعظم قدرها عنده جل وعلا ، وأن المسلم لا يطالب بفعل هذه الصلاة كيفما اتفق ، وإنما المطلوب من المسلم أن يقيمها حق القيام فيصلي الصلاة الشرعية بشروطها ، وأركانها ، وواجباتها ، وخشوعها ، ومستحباتها ، وبروحها ، حتى يكون لها الأثر في حياته وسلوكه واستقامته على أمر الله عز وجل قال الله عز من قائل : { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } فالصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر الصلاة الشرعية التي جمع فيها المصلي قلبه على الله ، وينطرح بين يديه ، ويقبل عليه بكليته وإلا فنحن نرى كثيرا من المصلين يقعون في الفواحش والمنكرات ، بله الموبقات ، والسبب –والعلم عند الله – أن صلاة كثير من الناس لا روح فيها ولا خشوع
عن ضمرة بن حبيب أن رسول الله صلى عليه وسلم قال:
( إن أول شئ يرفع من هذه الأمة الأمانة والخشوع حتى لا تكاد ترى خاشعا)"
ما ذكره الرجل عن كون المقصود بالصلاة فى الآيات القرآنية خاصة ما ذكرها هو الصلاة المعروفة يخالف ان كلمة الصلاة ورد معظمها فى الصلاة بمعنى الدين إلا أن ينص الله على أنها الصلاة المعروفة كما فى صلاة الحرب "فأقمت لهم الصلاة"
والصلاة المعروفة كفرض لا تنهى عن الفحشاء والمنكر وإنما الوحى هو ما ينهى الله فيه عن الفحشاء والمنكر بدليل أن صلاة المنافقين لم تمنعهم من الكفر وهو ارتكاب الذنوب المتعددة كما قال تعالى" إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا"
فصلاتهم لم تمنعهم من الظن الخاطىء في الله بظنهم قدرتهم على خداع الله ومراءاة الناس والكسل وغير ذلك
وجملة وأقيموا الصلاة تعنى " أقيموا الدين" في كل ما وردت فيه من الآيات خاصة مع ارتباطها بإيتاء الزكاة التى تعنى عمل الطهارة من الذنوب بطاعة الله
ثم قال :
"المسألة الثالثة :المراد بدلوك الشمس :
أصل الدلوك من الميل والشمس تميل إذا زالت أو غربت وقيل من الدلك والإنسان عند الزوال يدلك عينيه لشدة ضوء
قال ابن عطية :
"الدلوك هو الميل في اللغة فأول الدلوك هو الزوال وآخره هو الغروب ومن وقت الزوال إلى الغروب يسمى دلوكا لأنها في حالة ميل فذكر الله تعالى الصلوات التي تكون في حالة الدلوك"
وللعلماء في الدلوك قولان:
أحدهما: أنه زوال الشمس عن كبد السماء قاله عمر وابنه وأبو هريرة وبن عباس وطائفة سواهم من علماء التابعين وغيرهم
الثاني : أن الدلوك هو الغروب قاله علي وبن مسعود وأبي بن كعب وروي عن بن عباس قال الماوردي : "من جعل الدلوك اسما لغروبها فلأن الإنسان يدلك عينيه براحته لتبينها حالة المغيب ومن جعله اسما لزوالها فلأنه يدلك عينيه لشدة شعاعها"
وقال أبو عبيد : "دلوكها غروبها ودلكت براح يعني الشمس أي غابت "وأنشد قطرب : هذا مقام قدمى رباح ذبب حتى دلكت براح براح بفتح الباء على وزن حزام وقطام ورقاس اسم من أسماء الشمس ورواه الفراء بكسر الباء وهو جمع راحة وهي الكف أي غابت وهو ينظر إليها وقد جعل كفه على حاجبه
قال تقي الدين ابن تيمية –رحمه الله-:
"وليس هذا من استعمال اللفظ المشترك في معينه كليهما، أو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، بل هذا استعماله في حقيقته المتضمنة للأمرين جميعا، فتأمله فإنه موضوع عظيم النفع وقل ما يفطن له
وأكثر آيات القرآن دالة على معنيين فصاعدا فهي من هذا القبيل مثال ذلك قوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل فسر الدلوك بالزوال وفسر بالغروب وليس بقولين بل اللفظ يتناولهما معا فإن الدلوك هو الميل ودلوك الشمس ميلها
ولهذا الميل مبتدأ ومنتهى فمبتداه الزوال ومنتهاه الغروب واللفظ متناول لهما بهذا الاعتبار"
ولهذا الاختلاف في تفسير الدلوك ذهب قوم إلى أن صلاة الظهر يتمادى وقتها من الزوال إلى الغروب لأن الله سبحانه علق وجوبها على الدلوك وهذا دلوك كله قاله الأوزاعي وأبو حنيفة في تفصيل وأشار إليه مالك والشافعي في حالة الضرورة وسيأتي الكلام على تحديد أوقات الصلاة في المسألة الثامنة –إن شاء الله تعالى-"
ما ذكر عن أن دلوك الشمس غروبها أو زوالها عند الظهر خطأ واضح فالدلك المعروف يبدأ من مكان وينتهى فى مكان وقد ذكر نهاية الدلك بقوله " إلى غسق الليل" وهو بداية الليل ومن ثم فالمراد بدلوك الشمس طلوعها أى شروقها
ثم قال :
"المسألة الرابعة : المراد بغسق الليل :
روى مالك عن ابن عباس قال: " وغسق الليل اجتماع الليل وظلمته"وقال أبو عبيدة : "الغسق سواد الليل"قال ابن قيس الرقيات :
إن هذا الليل قد غسقا واشتكيت الهم والأرقا
وقد قيل: غسق الليل مغيب الشفق وقيل : إقبال ظلمته قال زهير :
ظلت تجود يداها وهي لاهية حتى إذا جنح الإظلام والغسق
يقال غسق الليل غسوقا والغسق اسم بفتح السين وأصل الكلمة من السيلان يقال غسقت العين إذا سالت تغسق وغسق الجرح غسقانا أي سال منه ماء أصفر وأغسق المؤذن أي أخر المغرب إلى غسق الليل وحكى الفراء غسق الليل وأغسق وظلم وأظلم ودجا وأدجى وغبس وأغبس وغبش وأغبش وكان الربيع بن خثيم يقول لمؤذنه في يوم غيم أغسق أغسق يقول أخر المغرب حتى يغسق الليل وهو إظلامه الثالثة
لذا فقد اختلف العلماء في آخر وقت المغرب فقيل وقتها وقت واحد لا وقت لها إلا حين تحجب الشمس وذلك بين في إمامة جبريل فإنه صلاها باليومين لوقت واحد وقيل :من غروبها إلى غياب الشفق وسيأتي –إن شاء الله –"
نفس ما قيل فى الدلوك يقال فى الغسق وهو طلوع الليل أى بدايته بعموم الظلام ونلاحظ اختلاف القوم مع أن الأمر واضح بقوله حتى غسق الليل فالشمس تنتهى ببداية الليل والشمس والليل يتقابلان فى نهاية الشمس وهو النهار وبداية الليل فلا يمكن ان يتقابلا مثلا فى الربع أو الثلث أو النصف
ثم قال :
"المسألة الخامسة : قرآن الفجر :
انتصب قرآن من وجهين :
أحدهما : أن يكون معطوفا على الصلاة ، ويكون المعنى وأقم قرآن الفجر أي صلاة الصبح، قاله الفراء
وقال أهل البصرة : انتصب على الإغراء أي: فعليك بقرآن الفجر ، قاله الزجاج
"وعبر عنها بالقرآن خاصة دون غيرها من الصلوات لأن القرآن هو أعظمها إذ قراءتها طويلة مجهور بها حسبما هو مشهور مسطور
قال أبو محمد البغوي في تفسير قرآن الفجر :"يعني صلاة الفجر سمي صلاة الفجر قرآنا لأنها لا تجوز إلا بقرآن""
قرآن الفجر يعنى قرآن النور وهو الخيط الأبيض كما قال تعالى "حتى يتبين الخيط ألبيض من الخيط السود من الفجر"
فالقرآن هو النور كما قال تعالى "نور على نور"ومن ثم فالمعنى وكتاب النور إن كتاب النور كانت طاعته مفروضة
ثم قال:
"المسألة السادسة : شهود قرآن الفجر:
قال ابن كثير -رحمه الله-:"عن عبد الله بن مسعود عن أبي هريرة عن النبي (ص)في هذه الآية وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا قال تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار وأسند البخاري إلى أبي هريرة أن النبي (ص)قال :"فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر"يقول أبو هريرة أقرؤا إن شئتم وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا و عن أبي هريرة عن النبي (ص)في قوله وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا قال تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي حسن صحيح وفي لفظ في الصحيحين من طريق مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي (ص)قال يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح وفي صلاة العصر فيعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بكم كيف تركتم عبادي فيقولون أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون)
وقال عبد الله بن مسعود:" يجتمع الحرسان في صلاة الفجر فيصعد هؤلاء ويقيم هؤلاء"وكذا قال إبراهيم النخعي ومجاهد وقتادة وغير واحد في تفسير هذه الآية "
الروايات المذكورة عن اجتماع ملائكة النهار وملائكة الليل فى الأرض كلها روايات كاذبة لأن الملائكة لا تنزل الأرض لعدم اطمئنانها كما قال تعالى "قل لو كان فى الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا"
كما أن زيادة صلاة الجماعة على الفرد25 مرة تناقض كتاب الله في وجود أجر واحد لكل الأعمال غير المالية وهو عشر حسنات كما قال تعالى "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها"
فالشهود هنا يعنى الطاعة طاعة كتاب الله ثم قال:
"المسألة السابعة : دلالة الآية على أوقات الصلاة
قال القرطبي:
"وهذه الآية بإجماع من المفسرين إشارة إلى الصلوات المفروضة
قال الكلبي في التسهيل:
"هذه الآية إشارة إلى الصلوات المفروضة فدلوك الشمس زوالها والإشارة إلى الظهر والعصر وغسق الليل ظلمته وذلك إشارة إلى المغرب والعشاء وقرآن الفجر صلاة الصبح"
وقال ابن سعدي:" ففي هذه الآية ذكر الأوقات الخمسة للصلوات المكتوبات "
القوم يتكلمون وكأن الأوقات موجودة فعلا فى الصلاة فحتى لو سلمنا بتفسيراتهم فلا يمكن أن يكون إلا ثلاثة وهى دلوك الشمس غسق الليل الفجر فأين الخمسة إذا كانت الأوقات المذكورة لفظا ثلاثة حسب تفسيراتهم ؟
ثم قال :
"المسألة الثامنة :تحرير مواقيت الصلاة:
قال ابن قدامة:أجمع المسلمون على أن الصلوات الخمس مؤقتة بمواقيت معلومة محدودة، وقد ورد في ذلك أحاديث صحاح جياد، نذكر أكثرها في مواضعها إن شاء الله تعالى والعمدة في هذا الباب عند أهل العلم من القرآن قوله تعالى : { أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل } الآية وشبيهاتها ومن السنة حديثان هما :
الأول :حديث عبد الله بن عمرو أن نبي الله (ص)قال: ( إذا صليتم الفجر فإنه وقت إلى أن يطلع قرن الشمس الأول ثم إذا صليتم الظهر فاته وقت إلى أن يحضر العصر فإذا صليتم العصر فاته وقت إلى أن تصفر الشمس فإذا صليتم المغرب فاته وقت إلى أن يسقط الشفق فإذا صليتم العشاء فاته وقت إلى نصف الليل) وفي لفظ عند مسلم : (وقت الظهر ما لم يحضر العصر ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق ووقت العشاء إلى نصف الليل ووقت الفجر ما لم تطلع الشمس)
والحديث الثاني حديث ابن عباس - -أن النبي - (ص)-قال: (أمني جبريل عليه السلام عند البيت مرتين فصلى الظهر في الأولى منهما حين كان الفيء مثل الشراك ثم صلى العصر حين كان كل شيء مثل ظله ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم ثم صلى العشاء حين غاب الشفق ثم صلى الفجر حين برق الفجر وحرم الطعام على الصائم وصلى المرة الثانية الظهر حين كان ظل كل شيء مثله لوقت العصر بالأمس ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه ثم صلى المغرب لوقته الأول ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض ثم التفت إلي جبريل فقال يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك والوقت فيما بين هذين الوقتين)
وسأعرض لأوقات الصلاة فيما يلي بشيء من التفصيل فأقول :
وقت صلاة الظهر :
- أجمع أهل العلم على أن دخول وقت الظهر بزوال الشمس عن كبد السماء
- واختلفوا في آخر وقتها على قولين :
القول الأول: أن آخر وقتها إذا صار ظل كل شيء مثله سوى ظل الزوال ، وهوقول مالك والثوري والشافعي والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد وأبي ثور وداود
ودليلهم حديث ابن عباس أن جبريل أم النبي في يومين ، فصلى الظهر في اليوم الأول حين زالت الشمس ، وصلى الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله ، ثم قال جبريل : (يا محمد : هذا وقت الأنبياء من قبلك ، والوقت فيما بين هذين اليومين)
القول الثاني : أن وقت الظهر إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه، وهو قول أبي حنيفة
وسبب الخلاف في ذلك: اختلاف الأحاديث ؛وذلك أنه ورد في إمامة جبريل أنه صلى بالنبي (ص)الظهر في اليوم الأول ،حين زالت الشمس، وفي اليوم الثاني حين كان ظل كل شيء مثله، ثم قال:" الوقت ما بين هذين " وروي عنه (ص): ( إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم ،كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة التوراة ،فعملوا حتى إذا انتصف النهار ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا، ثم أوتي أهل الإنجيل، فعملوا إلى صلاة العصر، ثم عجزوا فأعطوا قيراطا ،ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس، فأعطينا قيراطين قيراطين ،فقال أهل الكتاب: أي ربنا أعطيتهم ونحن كنا أكثر عملا قال الله تعالى: هل ظلمتكم من أجركم من شيء قالوا :لا قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء)
فذهب مالك والشافعي إلى حديث إمامة جبريل وذهب أبو حنيفة إلى مفهوم ظاهر هذا وهو أنه إذا كان من العصر إلى الغروب أقصر من أول الظهر إلى العصر على مفهوم هذا الحديث فواجب أن يكون أول العصر أكثر من قامة وأن يكون هذا هو آخر وقت الظهر
قال أبو محمد بن حزم : وليس كما ظنوا وقد امتحنت الأمر فوجدت القامة تنتهي من النهار إلى تسع ساعات وكسر قال القاضي: أنا الشاك في الكسر وأظنه قال وثلث قال ابن عبد البر: خالف أبو حنيفة في قوله هذا الآثار والناس وخالفه أصحابه وأولى القولين بالصواب القول الأول والله تعالى أعلم "
بداية أحاديث ألأوقات متناقضة كالتالى :
التناقض الأول فى وقت الصبح فمرة ما لم تطلع الشمس وهو قولهم "ووقت الفجر ما لم تطلع الشمس" وقولهم " إذا صليتم الفجر فإنه وقت إلى أن يطلع قرن الشمس الأول "ومرات عند برق النهار والبرق هو الضوء أى أشعة الشمس وهو إسفاره كما فى قولهم"ثم صلى الفجر حين برق الفجر الليل"وقولهم " ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض"
التناقض الثانى هو كون صلاة المغرب وصلاة العشاء مشتركان فى غياب الشفق فى قولهم"ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق" وقولهم" ثم صلى العشاء حين غاب الشفق" وهو تناقض لكونهما فى وقت واحد
الثالث ان نهاية صلاة العشاء مرة نصف الليل فى قولهم "ووقت العشاء إلى نصف الليل" ومرة ثلث الليل فى قولهم" ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل" وهو تناقض ظاهر فالنصف غير الثلث
وأما رواية القراريط فهى تخالف كتاب الله فى عدم اتحاد أـجر من أسلم من الكتابيين مع المسلمين فى عهد النبى(ص) فكلهم أجرهم واحد كما قال تعالى"إن الذين أمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من أمن بالله واليوم الأخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون"وقد بين الله أنهم يأخذون أجرهم مرتين كباقى المسلمين فى قوله تعالى : "الذين أتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا"
ثم قال :
"مسألة :
يعرف الزوال بزيادة الظل بعد تناهي قصره ، وبيان ذلك : أن الشمس إذا طلعت صار لكل شاخص ظل طويل من جهة المغرب ، ولا يزال الظل يقصر مع ارتفاع الشمس ، حتى يتوقف عن النقصان ،والشمس في وسط السماء ،فإذا بدأ بالزيادة ولو شعرة فهو الزوال وإذا أردت ضبط آخر وقت الظهر : فضع علامة عند بداية الزيادة ، واحسب مقدار طول الشاخص من عند العلامة لا من الشاخص ، والظل الذي يكون بين الشاخص والعلامة هو الذي يسميه الفقهاء بظل الزوال ، أو بفيء الزوال ؛ أي :الظل الذي زالت عليه الشمس
وقت صلاة العصر :
- يدخل وقت العصر بخروج وقت الظهر ؛ أي من مصير ظل كل شيء مثله سوى فيء الزوال على القول الصحيح كما تقدم ؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا : (ثم إذا صليتم الظهر فإنه وقت إلى أن يحضر العصر)
- أما آخر وقت العصر ففيه خلاف قوي بين العلماء على ثلاثة أقوال :
القول الأول : أن آخره إذا صار ظل كل شيء مثليه سوى فيء الزوال ، وما بعده إلى غروب الشمس فوقت ضرورة وهو قول الشافعي ،والثوري ، وروي عن أحمد
القول الثاني : أن آخره إذا اصفرت الشمس وما بعده إلى غروب الشمس فوقت ضرورة وهو مذهب المالكية ، وقول الإمام أبي ثور ،والأوزاعي، وأبي يوسف ، ومحمد بن الحسن، ورواية عن الإمام أحمد ، وهي أصح عنه ، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية
القول الثالث : أن العصر ليس له وقت ضرورة ، بل كله وقت جواز إلى غروب الشمس وهو قول أبو حنيفة
والراجح هو القول الثاني والدليل عليه حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا : (فإذا صليتم العصر : فإنه وقت ما لم تصفر الشمس)
أما وقت الضرورة فالدليل عليه مجموع حديثين :
الأول : حديث أبي هريرة يرفعه: (ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) متفق عليه
والثاني : حديث أنس قال : (سمعت رسول الله يقول : (تلك صلاة المنافق ، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان ، قام فنقرها أربعا ، لا يذكر الله فيها)
فحديث أنس بن مالك يدل على أن تأخير العصر إلى قرب غروب الشمس أمر مذموم ،وذلك أنه وصف تلك الصلاة التي تصلى في هذا الوقت بصلاة المنافق ،لكن من أخرها إليه فصلاته أداء لا قضاء ؛ لحديث أبي هريرة المتقدم ، وهذا هو وقت الضرورة ويكون حديث عبد الله بن عمرو محددا لنهاية وقت الاختيار وبداية وقت الضرورة
أما حديث ابن عباس في إمامة جبريل للنبي ، وفيه أنه صلى به العصر في اليوم الأول حين كان ظل كل شيء مثله ، وصلى به في اليوم الآخر حين كان ظل كل شيء مثليه ، وفي آخر الحديث قال جبريل : (يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك ، والوقت فيما بين هذين اليومين) فإنه لا يعارض حديث عبد الله بن عمرو ؛ لأن حديث عبد الله بن عمرو دل على زيادة في وقت العصر فوجب الأخذ بها
وبهذا الترجيح تجتمع الأدلة ولا تتعارض والله أعلم
وقت صلاة المغرب :
- أجمع أهل العلم على أن أول وقت المغرب إذا غربت الشمس
- أما آخر وقتها : فاختلف العلماء فيه على قولين :
القول الأول : أنه ينتهي بمغيب الشفق الأحمر ، وهو قول الحنابلة ، والحنفية ، وبعض أصحاب الشافعي، والثوري ، وإسحاق ، وأبي ثور واستدلوا بأدلة منها :ما أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا فإذا صليتم المغرب : فإنه وقت إلى أن يسقط الشفق)
عن أبي موسى الأشعري عن رسول الله (ص): (أنه أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة ثم أمره يعني : بلالا ، فأقام المغرب حين وقعت الشمس ) وفي اليوم الثاني : ( أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق) ثم أصبح فدعى السائل : فقال : (الوقت بين هذين) والمراد بالشفق الوارد في الأحاديث هو الشفق الأحمر لا الأبيض ،
والأدلة على ذلك كثيرة :
قوله : (ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق أخرجه مسلم ،والثوران إنما يطلق على الحمرة دون البياض
قول ابن عمر : (الشفق : الحمرة)
القول الثاني : أنه ليس لها إلا وقت واحد ، عند مغيب الشمس ، وهو أشهر الروايات عن مالك ، وقول الشافعي ودليلهم حديث ابن عباس في إمامة جبريل عليه السلام: وفيه (أنه صلى المغرب في اليومين حين غربت الشمس)
قال ابن رشد المالكي:وسبب اختلافهم في ذلك معارضة حديث إمامة جبريل في ذلك لحديث عبد الله بن عمر وذلك أن في حديث إمامة جبريل أنه صلى المغرب في اليومين في وقت واحد وفي حديث عبدالله ووقت صلاة المغرب مالم يغب الشفق فمن رجح حديث إمامة جبريل جعل لها وقتا واحدا ومن رجح حديث عبد الله جعل لها وقتا موسعا وحديث عبد الله خرجه مسلم ولم يخرج الشيخان حديث إمامة جبريل أعني حديث ابن عباس الذي فيه أنه صلى بالنبي (ص)عشر صلوات مفسرة الأوقات ثم قال له الوقت ما بين هذين والذي في حديث عبد الله من ذلك هو موجود أيضا في حديث بريدة الأسلمي خرجه مسلم وهو أصل في هذا الباب
قالوا وحديث بريدة أولى لأنه كان بالمدينة عند سؤال السائل له عن أوقات الصلوات وحديث جبريل كان في أول الفرض بمكة
والقول الراجح -والله تعالى أعلم –هو القول الأول لظهور أدلته ، أما حديث ابن عباس في إمامة جبريل عليه السلام للنبي (ص)، فإنه محمول على تأكيد الاستحباب وكراهية التأخير ، جمعا بينه وبين الحديثين المتقدمين وما في معناهما ، وعلى فرض التعارض : فإن حديثي ابن عمرو وأبي موسى مقدمان ؛ لأنهما متأخران ، فيبينان آخر الأمر بالمدينة
وقت صلاة العشاء :
- أجمع أهل العلم على أن وقت العشاء يبدأ بمغيب الشفق ، والمراد بالشفق هو الحمرة على الأرجح من قولي العلماء كما سبقت الإشارة إليه
- أما آخر وقت العشاء ففيه خلاف قوي :
القول الأول : أن وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر
القول الثاني : أن وقت العشاء ينتهي بانتصاف الليل
القول الثالث : بالتفصيل ؛ فوقت الاختيار ينتهي بانتصاف الليل ، وما بعده فوقت ضرورة إلى طلوع الفجر وسبب الخلاف في ذلك: تعارض الاثار ففي حديث إمامة جبريل أنه صلاها بالنبي (ص)في اليوم الثاني ثلث الليل وفي حديث أنس أنه قال أخر النبي (ص)صلاة العشاء إلى نصف الليل خرجه البخاري
وروي أيضا من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي (ص)أنه قال لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى نصف الليل وفي حديث أبي قتادة ليس التفريط في النوم إنما التفريط أن تؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى
والراجح-والعلم عند الله - هو القول الثاني : أنه ينتهي بانتصاف الليل ، وليس له وقت ضرورة ، وهو قول ابن حزم وبعض الشافعية وبعض الحنابلة ، واختاره من العلماء المعاصرين الشيخ ابن عثيمين والدليل عليه : حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا : (فإذا صليتم العشاء : فإنه
وقت إلى نصف الليل) أخرجه مسلم واستدل القائلون بأن ما بعد نصف الليل إلى طلوع الفجر وقت للعشاء إما وقت اختيار ، أو وقت ضرورة بحديث أبي قتادة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال : (أما إنه ليس في النوم تفريط ، إنما التفريط على من لم يصل حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى)فقالوا : إن هذا الحديث يدل على أن كل وقت متصل بالآخر ، وعليه : فإن وقت العشاء لا يخرج إلا بدخول وقت الفجر والجواب عن هذا الاستدلال أن يقال : إن حديث أبي قتادة عام مخصوص بغيره ، فكما خص منه وقت الفجر فإنه غير متصل بالظهر بالإجماع ، فكذا يخص منه أيضا وقت العشاء بالسنة ، كما سبق في حديث عبد الله بن عمرو
الذي يدل على انتهاء وقت العشاء بانتصاف الليل
وهنا ثلاثة تنبيهات :
الأول : يتوهم كثير من الناس أن الليل ينتصف عند الساعة الثانية عشرة
وهذا تصور خاطئ ، والصواب : أن انتصاف الليل يعرف بمضي نصف الوقت من غروب الشمس إلى طلوع الفجر ، فإذا كانت الشمس تغرب الساعة السادسة ، والفجر يطلع الساعة الرابعة ، فإن نصف الليل يكون الساعة الحادية عشرة تماما ، وبه يخرج وقت العشاء
الثاني : يؤخر بعض الناس وخاصة النساء صلاة العشاء إلى ما قبل النوم ،ويكون التأخير في بعض الأحيان إلى ما بعد نصف الليل ، وهذا خطأ كبير ينبغي التنبه له وتحذير الآخرين منه
الثالث : أن راتبة العشاء وهي ركعتان بعد العشاء يخرج وقتها بانتهاء وقت العشاء ، وبعض الناس قد يؤخرها إلى آخر الليل ، وحينئذ يكون فعلها قضاء لا أداء
وقت صلاة الفجر :
أجمع العلماء على أن وقت الفجر يدخل بطلوع الفجر الثاني قال ابن قدامة : (وهو البياض المستطيل المنتشر في الأفق ، ويسمى الفجر الصادق)
ويخرج وقت الفجر بطلوع الشمس ، لدليلين :
الأول : عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال : (إذا صليتم الفجر فإنه وقت إلى أن يطلع قرن الشمس) أخرجه مسلم
الثاني : عن أبي هريرة أن رسول الله (ص)قال : (من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح) متفق عليه "
ما نقله المؤلف من بطون الكتب هو استعراض لتعارضات واختلافات الأحاديث التى كلها فى النهاية أحاديث آحاد أى ظنية ومع هذا التعارض وضرب كل فريق لأحاديث الفرق الأخرى بالجرح والكلام لا يوجد ما يعتمد عليه فيها واعتراف المؤلف يتعارض الروايات هو فى قوله" وسبب الخلاف في ذلك: تعارض الآثار" ولا يتبقى أمامنا سوى كتاب الله