قراءة فى كتاب المصحف في الروايات والآثار
الكتاب تأليف مرتضى العسكري وهم من علماء الشيعة فى عصرنا وقد بدأ بتعريف المصحف فى اللغة فقال :
"المصحف في اللغة:
الصحيفة: التي يكتب فيها، والجمع صحائف وصحف وصحف،والمصحف والمصحف: الجامع للصحف بين الدفتين وقالوا في تفسير الدفتين، الدفة: الجنب من كل شيء وصفحته، ودفتا الطبل: الجلدتان اللتان تكتنفانه، ويضرب عليهما، ومنه دفتا المصحف، يقال: حفظ ما بين الدفتين،أي: حفظ الكتاب من الجلد إلى الجلد وبناء على ما ذكرنا، فإن المصحف: اسم للكتاب المجلد، وذلك لأنه إذا كانت الصحيفة: هي ما يكتب فيها وجمعها الصحف، والمصحف: هو الجامع للصحف بين الدفتين، والدفتان: هما جلدتا الكتاب، فالمصحف في كلامهم بمعنى الكتاب المجلد في كلامنا وبناء على ما ذكرنا: إن المصحف اسم لكل كتاب مجلد قرآنا كان أم غير قرآن"
طبقا لكلام اللغويين فالمصحف هو أى كتاب فيه أوراق بين جلدتين وأما عند الصحابة ففى ذلك يقول العسكرى:
"في مصطلح الصحابة:
استعمل المصحف بالمعنى اللغوي في روايات (جمع القرآن) حتى عهد عثمان فقد روى البخاري عن الصحابي زيد بن ثابت ما ملخصه: أن الخليفة أبا بكر أمره بجمع القرآن قال: فتتبعت القرآن أجمعه، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر في حياته، ثم عند حفصة بنت عمر وروى بعدها عن أنس ما ملخصه: أن عثمان عندما أراد أن يجمع القرآن أرسله إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك ، الخبر ومن الواضح أن الصحف والمصاحف ذكرا في الخبرين المذكورين آنفا بنفس المعنى اللغوي: "الكتاب المجلد" وأكثر تصريحا مما جاء عند البخاري، ما جاء عند ابن أبي داود السجستاني في باب: جمع القرآن في المصحف من كتابه: "المصاحف"، فقد روى فيه:
أ ـ عن محمد بن سيرين، قال:
لما توفي النبي (ص) أقسم علي أن لا يرتدي الرداء إلا لجمعة، حتى يجمع القرآن في مصحف
ب ـ عن أبي العالية:
أنهم جمعوا القرآن في مصحف في خلافة أبي بكر
ج ـ عن الحسين:
أن عمر بن الخطاب أمر بالقرآن، وكان أول من جمعه في المصحف
استشهدنا بهذه الروايات الثلاث لأنها تدل على أن في عصر روايتها كان المصحف في كلامهم أعم من القرآن، فقد جاء فيها حسب التسلسل:
أ ـ حتى يجمع القرآن في مصحف
ب ـ جمعوا القرآن في مصحف
ج ـ وأمر بالقرآن فجمع، وكان أول من جمعه في المصحف
ولو كان المصحف لديهم هو القرآن لكان تفسير الروايات كالآتي:
أ ـ حتى يجمع القرآن في القرآن
ب ـ جمعوا القرآن في القرآن
ج ـ وكان أول من جمع القرآن في القرآن"
وطبقا لما نقله فليس القرآن هو المصحف نفسه لأن المصحف يطلق على كل كتاب
ثم نقل التسمية عند الشيعة فقال:
"3 ـ في روايات أئمة أهل البيت:
وقد جاء المصحف في روايات أئمة أهل البيت (بنفس المعنى اللغوي لمدرسة الخلفاء، فقد روى الكليني في باب (قراءة القرآن في المصحف):
الحديث الأول عن أبي عبد الله جعفر الصادق قال:
"من قرأ القرآن في المصحف متع ببصره، وخفف عن والديه، وإن كانا كافرين"
وفي الحديث الرابع منه ـ أيضا ـ عن أبي عبد الله قال: "قراءة القرآن في المصحف تخفف العذاب عن الوالدين، ولو كانا كافرين"
وبناء على ما ذكرنا ثبت أن المصحف كان يستعمل في كلام الصحابة والتابعين والرواة بمدرسة الخلفاء ومدرسة أهل البيت ويراد به الكتاب المجلد، أي: أن المصحف استعمل في محاوراتهما في عصر الإسلام الأول في معناه اللغوي واشتهر بعد ذلك في مدرسة الخلفاء تسمية القرآن المدون والمخطوط بين الدفتين بـ "المصحف""
العسكرى استنبط نفس المعنى وهو أن المصحف يطلق على أى كتاب وليس القرآن وحده ثم نقل مقولة عمن سماهم مدرسة الخلفاء توصل منه لنفس النتيجة فقال :
"4-في أخبار مدرسة الخلفاء:
وقد سمي في مدرسة الخلفاء غير القرآن بالمصحف كالآتي:
مصحف خالد بن معدان:
روى كل من ابن أبي داود (ت631هـ) وابن عساكر (ت715هـ) والمزي (ت247هـ) وابن حجر (ت258هـ) بترجمة خالد بن معدان وقالوا:
ان خالد بن معدان كان علمه في مصحف له أزرار وعرى
فمن هو خالد بن معدان صاحب المصحف؟
كان خالد بن معدان من كبار علماء الشام ومن التابعين، أدرك سبعين من الصحابة، ترجم له ابن الأثير (ت306هـ) في مادة الكلاعي، وقال: توفي خالد سنة ثلاث أو أربع أو ثمان ومائة هجرية
ـ اشتهار المصحف في كل ما كتب وجعل بين الدفتين: الكتاب المجلد
كان استعمال المصحف في ما كتب وجعل بين الدفتين ـ أي الكتاب المجلد ـ مشهورا ومتداولا لدى العلماء والباحثين بمدرسة الخلفاء، واليكم المثالين الآتيين لذلك:
أ ـ عنون ابن أبي داود السجستاني من أعلام القرن الثالث الهجري في كتابه المصاحف كالآتي:
1 ـ جمع أبي بكر الصديق القرآن في المصاحف بعد رسول الله (ص)
2 ـ جمع علي بن أبي طالب القرآن في المصحف
3 ـ جمع عمر بن الخطاب القرآن في المصحف
ب ـ ومن المعاصرين قال ناصر الدين الأسد في كتابه مصادر الشعر الجاهلي: وكانوا يطلقون على الكتاب المجموع: لفظ المصحف، ويقصدون به مطلق الكتاب، لا القرآن وحده، فمن ذلك ما ذكره
ثم نقل خبر مصحف خالد بن معدان من كتاب المصاحف لابن أبي داود السجستاني"
وعند الأمم السابقة استعملت الكلمة بنفس المعنى وهو أى كتاب وفى هذا قال:
"5ـ في مصطلح الأمم السابقة:
تسمية الكتب الدينية للأمم السابقة بالمصحف:
وكذلك سميت الكتب الدينية للأمم السابقة بالمصحف كما جاء في طبقات ابن سعد بسنده: عن سهل مولى عتيبة: أنه كان نصرانيا من أهل مريس، وأنه كان يتيما في حجر أمه وعمه، وأنه كان يقرأ الإنجيل، قال: فأخذت مصحفا لعمي فقرأته حتى مرت بي ورقة، فأنكرت كتابتها حين مرت بي ومسستها بيدي، قال: فنظرت فإذا فصول الورقة ملصق بغراء، قال: ففتقتها فوجدت فيها نعت محمد (ص): أنه لا قصير ولا طويل، أبيض، ذو ضفيرين، بين كتفيه خاتم، يكثر الاحتباء، ولا يقبل الصدقة، ويركب الحمار والبعير، ويحتلب الشاة، ويلبس قميصا مرقوعا، ومن فعل ذلك فقد برئ من الكبر، وهو يفعل ذلك، وهو من ذرية إسماعيل، اسمه أحمد قال سهل: فلما انتهيت إلى هذا من ذكر محمد (ص) جاء عمي، فلما رأى الورقة ضربني وقال: ما لك وفتح هذه الورقة وقراءتها؟ فقلت: فيها نعت النبي (ص) أحمد، فقال: إنه لم يأت بعد"
وتتبع العسكرى لفظ المصحف تاريخيا فقال:
"وهكذا وجدنا المصحف إسما عاما للصحف بين الدفتين، وإن صح ما جاء في رواية المصاحف لابن أبي داود أن أبا بكر كان قد سمى القرآن بالمصحف، فإن هذه التسمية لم تشتهر حتى عصر عثمان، كما يظهر ذلك من الخبرين اللذين نقلناهما آنفا من صحيح البخاري، وإنما اشتهرت تسمية القرآن بالمصحف بعد ذلك، وعند ذاك أيضا لم تبق هذه التسمية منحصرة بالقرآن، بل سميت كتب أخرى في مدرسة الخلفاء ومدرسة أهل البيت بـ "المصحف" وكان منها مصحف فاطمة إبنة رسول الله (ص)كالآتي خبره:
" ـ مصحف فاطمة ابنة الرسول (ص):
جاء في الروايات: أن فاطمة ابنة رسول الله (ص)كان لها كتاب اسمه المصحف فيه إخبار بالمغيبات
لقد جاء في بصائر الدرجات بأكثر من سند عن الإمام الصادق أنه قال: لأقوام كانوا يأتونه ويسألونه عما خلف رسول الله (ص)إلى علي وعما خلف علي إلى الحسن: "لقد خلف رسول الله (ص)عندنا ما فيها كل ما يحتاج إليه حتى أرش الخدش والظفر، وخلفت فاطمة مصحفا ما هو قرآن "
إذن فقد كان لابنة رسول الله (ص)مصحف، كما كان لخالد ابن معدان كتاب اسمه المصحف فيه علمه وإن أئمة أهل البيت الذين انتشر منهم هذا الخبر نصوا على أنه ما هو بالقرآن وليس فيه شيء من القرآن، بل هو إخبار بالحوادث الكائنة في المستقبل ومع الأسف الشديد افترى بعض الكتاب في مدرسة الخلفاء وقال: إن مصحف فاطمة عند أتباع مدرسة أهل البيت، قرآن آخر ولكن أتباع مدرسة أهل البيت لم يقولوا هذا القول في شأن مصحف خالد ولا الكتاب لسيبويه"
ينفى العسكرى هنا وجود قرآن خاص بفاطمة بدليل رواية عندهم تقول "وخلفت فاطمة مصحفا ما هو قرآن "فمصحف فاطمة ليس قرآنا طبقا للرواية
ثم تعرض للتسمية عند الصحابة فقال :
"8 ـ مصاحف الصحابة:
انه كان لكثير من الصحابة مصاحف كتب كل منهم في مصحفه القرآن وما سمعه من رسول الله (ص)في تفسير بعض آيات القرآن، إذا كان معنى مصاحف الصحابة في عصر الصحابة: القرآن المكتوب مع حديث الرسول في تفسير بعض آياته، كما هو الحال في تفاسير القرآن بالمأثور مثل: الدر المنثور في تفسير القرآن بالمأثور للسيوطي في مدرسة الخلفاء، والبرهان في تفسير القرآن لدى أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)
مثالان لمصاحف الصحابة:
أ ـ مصحف أم المؤمنين عائشة رووا عن أبي يونس مولى عائشة أنه قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني: (حافظوا على الصلوت والصلوة الوسطى)، فلما بلغتها آذنتها، فأملت علي: حافظوا على الصلاة والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين، قالت عائشة: سمعتها من رسول الله (ص)
ب ـ مصحف أم المؤمنين حفصة عن أبي رافع مولى حفصة أنه قال: استكتبتني حفصة مصحفا، فقالت: إذا أتيت على هذه الآية، فتعال حتى أمليها عليك كما قرأتها، فلما أتيت على هذه الآية (حافظوا على الصلوت)، قالت: اكتب: (حافظوا على الصلوت والصلوة الوسطى) [وصلاة العصر]"
ثم تحدث عما سماه مصحف النبى(ص) فقال :
"9 ـ مصحف الرسول (ص)
سيأتي في بحث من تاريخ القرآن على عهد أبي بكر أن الرسول (ص)أوصى الإمام عليا أن لا يرتدي رداءه بعد وفاة الرسول (ص)حتى يجمع الصحف التي كانت في بيت الرسول (ص)التي كتب عليها القرآن بأمر الرسول (ص)، ولم تكن آي القرآن التي كتبت في تلك الصحف بدعا عما كتبها الصحابة في صحفهم مما تعلموها من لفظ الآيات ومعانيها مما تلقاها الرسول (ص)جميعا عن طريق الوحي، بل لابد أن تكون مشابهة لمصاحف الصحابة في كتابة اللفظ والمعنى معا، ما عدا أمرا واحدا، وهو أن كل صحابي كان يكتب مع ما يكتب من آي القرآن ما بلغه عن رسول الله (ص)في تفسير الآية، وكان رسول الله (ص)قد أمر الإمام عليا بكتابة كل ما يحتاجه المسلمون في تفسير الآيات مما تلقاه عن طريق الوحي
بناء على ما سبق كانت المصاحف في صدر الإسلام مثل كتب التفسير في عصرنا تشتمل على القرآن وما بينه الرسول(ص)في تفسير الآيات
ولما اقتضت سياسة الخلفاء بعد الرسول (ص)تجريد القرآن من حديث الرسول (ص)جرى في هذا الشأن ما سنبينه في ما يأتي بإذنه تعالى
سياسة تجريد القرآن من حديث الرسول (ص)نزلت آيات في ذم سادة قريش الذين خاصموا رسول الله (ص)وحاربوه، وآيات أخرى في ذم قبائل بعض الصحابة من قريش، مثل قوله ـ تعالى ـ في سورة الإسراء: (والشجرة الملعونة في القرآن) في بني أمية أو أفراد من الصحابة مثل قوله في سورة التحريم:
(إن تتوبا الى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير)
(عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا)
والتي نزلت في أم المؤمنين عائشة وأم المؤمنين حفصة، في مقابل آيات نزلت في مدح آخرين، مثل آية التطهير في قوله ـ تعالى ـ في سورة الأحزاب:
(انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)
والتي نزلت في حق الرسول (ص)وعلي وفاطمة والحسن والحسين
هذه إلى كثير غيرها كانت تخالف حكومة الخلفاء الثلاثة، فرفعوا شعار حسبنا كتاب الله، وجردوا القرآن من حديث الرسول (ص)، وبدأ العمل به أبو بكر، وأمر بكتابة نسخة من القرآن مجردة عن حديث الرسول (ص)، وانتهى العمل على عهد عمر، فبدأ عمله بمنع نشر حديث الرسول، وبعد وفاته وقعت الخصومة بين بعض الصحابة والتابعين وبني أمية وعصبة عثمان، وأخذ الخصوم يروون من حديث الرسول ما فيه ذم لعصبة الخلافة، وكانت بأيدي الخصوم مصاحف فيها من بيان الرسول (ص)ما يستدل به الخصوم في مقابل عصبة الخلافة، فقام عثمان بتنفيذ شعار جردوا القرآن من حديث الرسول، وأخذ نسخة المصحف المجرد من حديث الرسول (ص)من أم المؤمنين حفصة، واستنسخ منها عدة نسخ من المصاحف المجردة عن حديث الرسول (ص)، ووزعها في بلاد المسلمين، وجمع مصاحف الصحابة اللاتي كان أصحابها قد دونوا فيها النص القرآني مع ما سمعوه من بيان الرسول في تفسير آياتها وأحرقها جميعا، فاستنسخ المسلمون مصاحف من تلك المصاحف المجردة عن بيان الرسول (ص)وأصبح المصحف بعد ذلك اسما علما للقرآن المجرد عن بيان الرسول (ص)، ومع مرور الزمن لم يعرف المسلمون في القرون التالية أن مصاحف الصحابة كان فيها بيان الرسول(ص)مع النص القرآني وعندما حث المنصور العباسي في سنة ثلاث وأربعين بعد المائة من الهجرة علماء المسلمين على تدوين العلوم، وكتب المتخصصون منهم بعلوم القرآن مع بيان آياته كما كان عليه الأمر على عهد الرسول، سمي المصحف الذي دون فيه القرآن مع بيان آياته بالتفسير، كما مر بيانه"
كما هى عادة علماء المذاهب كل منهم يلجأ للروايات لتأييد ما يقوله ويبعد عما جاء فى الوحى الإلهى الذى يبين كذب الروايات فالقرآن لم يجمعه بشر وإنما جمعه الله ومعه بيان القرآن أى تفسيره الإلهى فقال :
"إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه"
هل مطلوب من المسلم أن يصدق كل هذا الكم الهائل من الروايات الكاذبة عن جمع فلان أو علان للقرآن بسبب موت فلان أو موت علان وفلان من الناس ؟
كذبت كل الروايات إن خالفت كتاب الله وإن تمسك بها كل الناس فلا يوجد أساسا مصاحف جمعها أحد فى عهد النبى (ص)أو بعده وإنما هو القرآن وهو محفوظ من الله وهو موجود كاملا وهو والوحى من قبله كله فى الكعبة الحقيقية حيث لا يقدر أحد على تحريف حرف فيه كما قال تعالى "إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد"