نقد كتاب عنوان التوفيق في آداب الطريق
الكتاب هو تأليف ابن عطاء الله السكندرى وهو أحد رجال التصوف والكتاب هو شرح من السكندرى لقصيدة احد الصوفية المسمى أبو مدين
وموضوعها هو آداب مصاحبة الصوفيين وهو ما يسمونه أدب المريد وهى آداب وإن وافق بعضها الإسلام فهى خروج على جماعة المسلمين فالمسلمين أى المؤمنين جميعا اخوة كما قال تعالى :
"إنما المؤمنون إخوة"
ومن ثم لا يصح أن تقوم فيهم جماعة مميزة عن بقيتهم وإلا كانت هذه الجماعة خارجة على قوله تعالى :
"وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان "
فالتعاون هو بين الكل وليس بين طائفة يرون أنهم اختارهم الله وحدهم دون سائر المؤمنين
وقد بدأ الرجل كتابه بالقول:
"اعلم يا أخي جعلك الله من أهل حبه وأتحفك بوجود قربه وأذاقك من شراب أهل وده وأمنك بدوام وصلته من إعراضه وصده ووصلك بعباده الذين خصهم بمراسلاته وجبر كسر قلوبهم لما علموا أنه لا تدركه الأبصار لنور تجلياته وفتح لهم رياض القرب وهب منها على قلوبهم واردات نفحاته أشهدهم سابق تدبيره فيهم فسلموا إليه القياد وكشف عن خفي لطفه في منعه فتركوا المنازعة والعناد فهم مستسلمون إليه ومتوكلون عليه أما بعد فقد قال ( يحشر المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ) فإذا علمت أيها الأخ الشقيق فلا تخالل إلا من ينهضك حاله ويدلك على الله مقاله وذلك هو الفقير المتجرد عن السوى المقبل على المولى فليست اللذة إلا مخاللته ولا السعادة إلا خدمته ومصاحبته "
الرجل هنا يطالبنا بصحبة الفقراء فقط بينما الله يطالبنا بصحبة المؤمنين وهم المتقين سواء كانوا فقراء أو غير ذلك فالمهم هو إيمانهم وإسلامهم وليس فقرهم ولذا قال تعالى :
"الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين"
وقد شرح الرجل القصيدة فقال :
"فلذلك قال الشيخ العارف المتمكن أبو مدين رضي الله تعالى عنه
( ما لذة العيش إلا صحبة الفقرا هم السلاطين والسادات والأمرا )
أي ما لذة عيش السالك في طريق مولاه إلا صحبة الفقراء والفقراء جمع فقير والفقير هو المتجرد عن العلائق المعرض عن العوائق لم يبق له قبلة ولا مقصد إلا الله تعالى وقد أعرض عن كل شيء سواه وتحقق بحقيقة لا إله إلا الله محمد رسول الله فمثل هذا مصاحبته تذيقك لذة الطريق وتريق في جميع فؤادك من شراب القوم أهنى رحيق ويعرفك الطريق ويقطع لك العتاب ويزيل عن قلبك التعويق وينهضك بهمته ويرفعك إلى أعلى الدرجات ومن كان كذلك فهو السلطان على الحقيقة"
الخطأ هنا هو تعريف الفقير بكونه المتجرد عن العلائق المعرض عن العوائق فلو اعتبر الفقير هو المؤمن فالمؤمن لا يتجرد عن العلائق وهى متاع الدنيا لأن الله لم يحرمها على المؤمنين ما دامت حلالا فقال :
"قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق"
ومن ثم طلبها المؤمنون بقولهم :
"ربنا آتنا فى الدنيا حسنة" فالحسنة الدنيوية منها متاع الدنيا الحلال
وأما اعتبار الفقراء السلاطين والسادات والأمراء فهو تعبير جنونى فالسلطان والسيد والأمير يكون متحكما فى أرض الله يحكمها بحكم ومن تحدث عنهم أعرضوا عن الدنيا وتركوها للناس يحكمونها بالكفر ظنا منهم أن بقاءهم بعيدا عن الدنيا هو الفوز بينما هو خسارة دنيوية وأخروية لهم ومن ثم من أخذوا متاع الدنيا فى الآخرة يتبرئون منهم فى القيامة
ثم قال فى شرح البيت الثانى:
"والسيد على أهل الطريقة والأمير على أهل البصيرة فلا تخالف أيها السالك طريقه فاجتهد أيها السالك المجد في تحصيل هذا الرفيق واصحبه وتأدب في مجالسه ويزيل عنك ببركة صحبته كل تعويق كما قال رضي الله تعالى عنه
( فاصحبهم وتأدب في مجالسهم وخل حظك مهما قدموك ورا )
أي اصحب الفقراء وتأدب معهم في مجالستهم فإن الصحبة شبح والأدب روحها فإذا اجتمع لك بين الشبح والروح حزت فائدة صحبته وإلا كانت صحبتك ميتة فأي فائدة ترجوها من الميت ومن أهم أدب الصحبة أن تخلف حظوظك وراك ولا تكن همتك مصروفة إلا لامتثال أوامرهم فعند ذلك يشكر مسعاك"
الرجل هنا يطالب بطاعة أوامر الفقراء مناقضا الشريعة التى تطالبنا بطاعة الله كما قال تعالى :
"أطيعوا الله"
فى أوامر ولا نواهى سوى ما أمر الله ونهى وما قاله هنا بطاعة الفقراء يناقض أن الطاعة لله كما فى قول فى المقدمة:
"لم يبق له قبلة ولا مقصد إلا الله تعالى وقد أعرض عن كل شيء سواه"
ثم قال فى شرح البيت الثالث:
" فإذا تخلفت بذلك فبادر واستغنم الحضور وأخلص في ذلك ترفع درجتك وتعلو همتك والقصور كما قال رضي الله عنه
(واستغنم الوقت واحضر دائما معهم واعلم بأن الرضى يختص من حضرا )
أي واستغنم وقت صحبة الفقراء واحضر دائما معهم بقلبك وقالبك تسري إليك زوائدهم وتغمرك فوائدهم وينصح ظاهرك بالتأدب بآدابهم ويشرق باطنك بالتحلي بأنوارهم فإن من جالس جانس فإن جلست مع المحزون حزنت وإن جلست مع المسرور سررت وإن جلست مع الغافلين سرت إليك الغفلة وإن جلست مع الذاكرين انتبهت من غفلتك وسرت إليك اليقظة فإنهم القوم لا يشقى جليسهم فكيف يشقى خادمهم ومحبهم وأنيسهم "
الخطأ هنا أن من جالس جانس فإن جلست مع المحزون حزنت وإن جلست مع المسرور سررت فلو كان هذا صحيحا لكان الرسل (ص)لجلوسهم مع الكفار كفارا
ثم شرخ البيت الرابع فقال :
"وما أحسن ما قيل
( لي سادة من عزهم أقدامهم فوق الجباه )
( إن لم أكن منهم فلي في حبهم عز وجاه )
واعلم أن هذا الرضى وهذا المقام يخص من حضر معهم بالتأدب وخرج عن نفسه وتحلى بالذلة والانكسار فاخرج عنك إذا حضرت بين أيديهم وانطرح وانكسر إذا حللت بناديهم فعند ذلك تذوق لذة الحضور"
والقول بوجود سادة وسيادة هو ضرب من الكفر فالمؤمنون كما قال تعالى إخوة ومن ثم لا يوجد منهم سيد وعبد أو سيد ومسود
ثم قال فى شرح البين الخامس فقال :
"واستعن على ذلك بملازمة الصمت تشرق لك أنوار الفرح ويغمرك السرور كما قال رضي الله عنه
( ولازم الصمت إلا إن سئلت فقل لا علم عندي وكن بالجهل مستترا )
الصمت عند أهل الطريقة من لازمه ارتفع بنيانه وتم غراسه وهو نوعان 1 - صمت باللسان 2 - وصمت بالجنان" ...
وكلاهما لا بد منه في الطريق فمن صمت قلبه ونطق لسانه نطق بالحكمة ومن صمت لسانه وصمت قلبه تجلى له سره وكلمه ربه وهذا غاية الصمت وكلام الشيخ قابل لذلك فالزم الصمت أيها السالك إلا إن سئلت فإن سئلت فارجع إلى أصلك ووصلك وقل لا علم عندي واستتر بالجهل تشرق لك أنوار العلم اللدني فإنك مهما اعترفت بجهلك ورجعت إلى أصلك لاحت لك معرفة نفسك فإذا عرفتها عرفت ربك كما روي في الحديث ( من عرف نفسه عرف ربه ) وكل ذلك من فوائد الصمت ولزوم آدابه فاصمت وتأدب ولازم الباب تكن من أحبابه "
الرجل هنا يطالبنا بعدم الرد على أشئلة الناس حتى لو كنا نهلم الإجابة وهو ما يخالف وجول رد أهل الذكر على السائلين فى قوله تعالى :
"فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"
ثم شرح البيت السادس فقال:
"وما أحسن ما قيل
( لا أبرح الباب حتى تصلحوا عوجي وتقبلوني على عيبي ونقصاني )
( فإن رضيتم فيا عزي ويا شرفي وإن أبيتم فمن أرجو لعصياني )
فانهض أيها الأخ إلى باب مولاك بهمة علية وتحقق بعبوديتك تشرق عليك أنواره السنية كما أشار إلى ذلك الشيخ رضي الله عنه بقوله
( ولا ترى العيب إلا فيك معتقدا عيبا بدا بينا لكنه استترا )
أي تحقق بأوصافك من فقرك وضعفك وعجزك وذلتك فإذا تحققت بأوصافك وشهدت لنفسك عيوبا لكنها مستترة فعند ذلك تحظى بظهور أوصاف مولاك فيك كما قيل سبحان من ستر سر الخصوصية في ظهور البشرية وظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية وافهم من هنا سر معنى قوله " سبحان الذي أسرى بعبده : ولم يقل برسوله ولا بنبيه أشار إلى ذلك المعنى الرفيع الذي لا ينال إلا من العبودية ولذلك قيل
( لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي )"
والخطأ هنا هو ظهور أوصاف الله فى الإنسان الفقير وهو كلام يناقض قوله تعالى :
"ليس كمثله شىء"
وهو كلام يدل على الجهل فالعبد لا تظهر فيه أوصاف مثل الأولية والأخروية والحياة بلا انقطاع وعدم النوم والنعاس وعدم المرض
ولو كان المتكلم يعقل الأمر فكيف يكون الفقير متجبرا متكبرا ؟
ثم شرح البيت السابع فقال:
"فانكسر أيها الأخ وانطرح بالطريق ولا ترى لك حالا ولا مقالا يزل عنك كل تعويق واستغفر من كل ما يخطر بقلبك في عبوديتك وقم على قدم الاعتراف وانصف من نفسك تبلغ أعلى درجات المنازل وتفنى بشريتك كما قال رضي الله تعالى عنه
( وحط رأسك واستغفر بلا سبب وقف على قدم الإنصاف معتذرا )
أي تواضع وانكسر وحط أشرف ما عندك وهو رأسك في اخفض ما يكون وهي الأرض لتحوز مقام القرب كما ورد في الحديث ( أقرب ما يكون العبد إلى الله تعالى وهو ساجد ) لأن قرب العبد بتواضعه وانكساره وخروجه عن أوصاف بشريته واشهد نفسك دائما مذنبا ولو لم يظهر عليك سبب الذنب فإن العبد لا يخلو من تقصير وقف على قدم الإنصاف من ذنوبك خجلا من سيئاتك وعيوبك فإن من عامل المخلوق هذه المعاملة أحبه ولم يشهد له ذنبا وكانت مساوية عنده محاسن فكيف إذا عامل بهذه" ...المعاملة صاحبه الحقيقي الذي إذا تحققه ليس له صاحب سواه كما ورد في الحديث ( اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والمال والولد ) فتأهب أيها الأخ لهذه المعاملة مع إخوانك الفقراء لتصير لك معراجا تتوصل به إلى معاملة رب السماء وتكون مقبولا عند الخلق والخالق وتصفو لك المعاملة وتشرق عليك أنوار الحقايق"
والأخطاء هنا متعددة أهمها خروج الفقير من بشريته والعبد لا يمكن أن يخرج من بشريته وإلا لنفى الله عن رسوله (ص) البشرية ولكنه طلب منه إثباتها بقوله :
"قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى"
وأما شرح الأبيات التالية فهو :
" قال رضي الله عنه ( وإن بدا منك عيب فاعتذر وأقم وجه اعتذارك عما فيك منك جرى )
( وقل عبيدكمو أولى بصفحكمو فسامحوا وخذوا بالرفق يا فقرا ولا ضررا )
( هم بالتفضل أولى وهو شيمتهم فلا تخف دركا منهم ولا ضررا )
أي ليكن شأنك دائما التواضع والانكسار وطلب المعذرة والاستغفار سواء وقع منك ذنب أو لم يقع وإن بدا منك عيب أو ذنب فاعترف واستغفر فإن ( التائب من الذنب كمن لا ذنب له ) وليس الشأن أن لا تذنب إنما الشأن أن لا تصر على الذنب كما ورد أنين المذنبين عند الله خير من زجل المسبحين عجبا وافتخارا"
والخطأ هنا هو الإقرار بالعبودية للفقرا وليس لله كما قال تعالى :
"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"
وكرر الشرح فقال:
"ولذلك قلت في الحكم ربما فتح لك باب الطاعة وما فتح لك باب القبول وقضى عليك بالذنب وكان سببا للوصول رب معصية أورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا ومع اعترافك واستغفارك أقم وجه اعتذارك عما جرى منك فيكون ذلك ممحى للذنب وادخل في القبول وذل وتواضع وانكسر وقل عبيدكم أولى بصفحكم لأن العبد ليس له إلا باب مولاه وما أحسن ما قيل
( ألقيت في بابكم عناني ولم أبال بما عناني )
( فزال قبضي وزاد بسطي وانقلب الخوف بالأماني )
فسامحوا عبيدكم يا فقراء وخذوا بالرفق وعاملوني به فإني عبد فقير لا يصلحني إلا المعاملة بالرفق والفضل ولا اعتماد لي إلا على الفضل لا بحولي ولا قوتي مذهبي العجز والسلام ثم قال رضي الله عنه إنهم أولى بهذا الشيء وهو شيمتهم ولم يزالوا متفضلين وهذه معاملتهم مع أصحابهم وهي سجيتهم وكيف لا تكون سجيتهم وهم متخلقون بأخلاق مولاهم كما ورد ( تخلقوا بأخلاق الله ) فلا تخف منهم ضررا أيها السالك المصاحب لهم وتمسك بأذيالهم فإنهم القوم لا يشقى جليسهم"
ونلاحظ أن الرجل يناقض نفسه بين التخلق بأخلاق الله فى الفقرة السابقة وبين التخلق بأخلاق الفقرا فى قوله:
فإذا عرفت ذلك أيها السالك فتخلق بأخلاقهم الكريمة وجد بالتفنى على الإخوان وغض الطرف عن عثرتهم تكن آخذا من أوصافهم أحسن هيئة "ثم شرح البيت التالى فقال:
"قال رضي الله عنه
( وبالتفنى على الإخوان جد أبدا حسا ومعنى وغض الطرف إن عثرا )
أي وتكرم على إخوانك وجد عليهم أبدا إما في الحس فببذل الأموال وإما في المعنى فبصرف همة الأحوال ولا تبخل عليهم بشيء يمكنك إيصاله إليهم فإن السماحة لب الطريق ومن تخلق بها فقد زال عن قلبه كل تعويق قال الشيخ عبد القادر رضي الله عنه إخواني ما وصلت إلى الله تعالى بقيام ليل ولا صيام نهار ولا دراسة علم ولكن وصلت إلى الله بالكرم والتواضع وسلامة الصدر فدل كلام الشيخ رضي الله عنه أن الكرم هو الأساس وأن التواضع يتم للسالك به الغراس فإذا تم له هذان الأمران سلم صدره من العلائق وزال عن طريقه كل عائق ولذلك ورد في الحديث ( إن في الجنة لغرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها الله تعالى لمن ألان الكلام وأطعم الطعام وتابع الصيام وصلى بالليل والناس نيام )" ...
فتأمل هذا الحديث يا أخي حيث بدأ بالإنة الكلام وهو إشارة إلى التواضع ثم ثنى بإطعام الطعام وهو إشارة إلى الكرم ثم أتى بعد ذلك بالصلاة والصيام كما أشار إليه الشيخ عبد القادر رضي الله عنه فانهض أخي إلى هذه المآثر وبادر واجمع معها حسن مكارم الأخلاق وغض الطرف عن مساوي الإخوان إن وقفت منهم على عثرة ولا تشهد إلا محاسنهم كما قال رضي الله عنه في حكمه الفتوحية رؤية محاسن العبيد والغيبة عن مساويهم ذلك شيء من كمال التوحيد كما قيل
( إذا ما رأيت الله في الكل فاعلا رأيت جميع الكائنات ملاحا )"
هنا يخترع القوم أحكاما ما أنزل الله بها من سلطان مثل أن الكرام هو الأساس والتواضع يتم الطريق وهو كلام جنونى فأساس الطريق وهو الإسلام الإيمان بوحى الله ثم طاعة الله المبنية على هذا الإيمان وهى الفعل ولذا نجد أن العمل الصالح وهو طاعة الله مقترن بالإيمان لا يفترقان فلا ينفع عمل صالح بلا إيمان ولا ينفع إيمان بدون عمل صالح ولذا نجد تكرار القول "الذين آمنوا وعملوا الصالحات" كثيرا فى المصحف
ويشرح السكندرى البيت التالى فى الفقرة فيقول:
"فإذا تخلقت أيها الأخ بهذه الخصال الشريفة فقد تأهلت للإقبال على الشيخ فانهض إلى عتبة بابه وراقبه بهمة منيفة كما أشار إلى ذلك الشيخ رضي الله عنه بقوله
( وراقب الشيخ في أحواله فعسى يرى عليك من استحسانه أثرا )
أي إذا تخلقت بما تقدم من الآداب ووصلت بافتقارك وانكسارك إلى الشيخ وتمسكت بأثر تلك الأعتاب فراقب أحواله" ...
واجتهد في حصول مراضيه وانكسر واخضع له في كل حين فإنه الترياق والشفاء وإن قلوب المشايخ ترياق الطريق ومن سعد بذلك تم له المطلوب وتخلص من كل تعويق واجتهد أيها الأخ في مشاهدة هذا المعنى فعسى يرى عليك من استحسانه لحالك أثرا قال بعضهم من أشد الحرمان أن تجتمع مع أولياء الله تعالى ولا ترزق القبول منهم وما ذلك إلا لسوء الأدب منك وإلا فلا بخل من جانبهم ولا نقص من جهتهم كما قلت في الحكم ما لشأن وجود الطلب إنما الشأن أن تورث حسن الأدب زار بعض السلاطين ضريح أبى يزيد رضي الله عنه وقال هل هنا أحد ممن اجتمع بأبي يزيد فأشير إلى شيخ كبير في السن كان حاضرا هناك فقال له هل سمعت شيئا من كلامه فقال نعم قال من رآني لا تحرقه النار فاستغرب السلطان ذلك الكلام فقال كيف يقول أبو يزيد ذلك وأبو جهل رأى النبي وهو تحرقه النار فقال ذلك الشيخ للسلطان أبو جهل لم ير النبي إنما رأى يتيم أبي طالب ولو رآه لم تحرقه النار" ...
ففهم السلطان كلامه وأعجبه هذا الجواب منه أي إنه لم يره بالتعظيم والإكرام واعتقاد أنه رسول الله ولو رآه بهذا المعنى لم تحرقه النار ولكنه رآه باحتقار واعتقاد أنه يتيم أبي طالب فلم تنفعه تلك الرؤية وأنت يا أخي لو اجتمعت بقطب الوقت ولم تتأدب لم تنفعك تلك الرؤية بل كانت مضرتها عليك أكثر من منفعتها إذا فهمت ذلك أيها السالك فتأدب بين يدي الشيخ واجتهد أن تسلك أحسن المسالك وخذ ما عرفت بجد واجتهاد وانهض في خدمته وأخلص في ذلك لتسد مع من ساد كما قال
( وقدم الجد وانهض عند خدمته عساه يرضى وحاذر أن تكن ضجرا )
( ففي رضاه رضي الباري وطاعته يرضى عليك فكن من تركه حذرا )
أي وانهض في خدمة الشيخ بالجد فعساك تحوز رضاه فتسود مع من ساد واحذر أن تضجر ففي الضجر الفساد ولازم أعتاب بابه في الصباح والمساء لتحوز منه الوداد وما أحسن ما قيل
( اصبر على مضض الإدلاج في السحر وللنذور على الطاعات بالبكر )
( وقل من جد في أمر يؤمله ما استصحب الصبر إلا فاز بالظفر )
فإن ظفرت أيها السالك برضاه رضي الله تعالى عنك ونلت فوق ما تمنيت فاستقم أيها الأخ في رضى شيخك وطاعته تظفر" ...
بطاعة مولاك ورضاه وتفوز بجزيل كرامته فعض أيها الأخ بالنواجذ على خدمة الشيخ إن ظفرت بالوصول إليه واعلم أن السعادة قد شملتك من جميع جهاتك إذ عرفك الله تعالى به وأطلعك تعالى عليه فإن الظفر به لا سيما في هذه الأيام أعز من الكبريت الأحمر واعلم أن طريق القوم دارسة وحال من يدعيها كما ترى لكن إذا ساعدتك العناية ظفرت وشممت من نفحة طيبة ما يفوق المسك الأذفر "
فى هذا الشرح المطول نجد جنون الصوفية وهو تقديم الشيخ على الرسل فبدلا من الاقتداء بالرسل(ص) وطاعتهم بالاقتداء بالشيخ وهو ما يناقض قوله تعالى :
"لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا"
وقوله:
""لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر"
ونجد الرجل يشرح ان الشيخ موجود وإن ظن القوم إنه مفقود ويجب البحث عنه والأخذ منه فيقول:
"ولذلك قال رضي الله تعالى عنه وعنا به آمين
( واعلم بأن طريق القوم دارسة وحال من يدعيها اليوم كيف ترى )
( متى أراهم وأنى لي برؤيتهم أو تسمع الأذن مني عنهم خبرا )
( من لي وأنى لمثلي أن يزاحمهم على موارد لم آلف بها كدرا )
( أحبهم وأداريهم وأوثرهم بمهجتي وخصوصا منهم نفرا )
شرع الشيخ رضي الله عنه يشوق السالكين إلى طريق أهله ويخبرهم أن طريقهم دارسة وحال من يدعيها اليوم كما ترى في الفترة حتى كادت الهمم تكون من الطلب آيسة وهكذا شأن طريق القوم لعزتها كأنها في كل عصر مفقودة ولا يظفر بها إلا الفرد بعد الفرد وهذه سنة معهودة وذلك أن الجوهر النفيس لا يزال عزيز الوجود يكاد لعزته يحكم بأنه ليس بموجود والطريق أهلها مخفية في العالم خفاء ليلة القدر في شهر رمضان وخفاء ساعة الجمعة في يومها حتى يجتهد الطالب في طلبه بقدر الإمكان فإن من جد وجد ومن قرع الباب ولج ولج قلت بعد أن ذكر لا بد من الشيخ في الطريق على سبيل السؤال والجواب كيف تأمرنا بذلك وقد قيل إن وجود الشيخ كالكبريت الأحمر وكالعنقاء من ذا الذي بوجودها يظفر كيف تأمرني بتحصيل من هذا شأنه فقال لو صدقت في الطلب وكنت في طلبه كالطفل والظمآن لا يقر لهم قرار ولا تسكن لوعتهم حتى يظفروا بمقصودهم فأشار الشيخ رضي الله عنه إلى أن الشيخ موجود وكيف لا يكون موجودا وعمارة العالم إنما هي بأمثاله فإن العالم شخص والأولياء روحه فما دام العالم موجودا لا بد من وجودهم لكن لشدة خفائهم وعدم ظهورهم حكم بفقدانهم" ...
فاجتهد أيها الأخ واصدق في الطلب تجد المطلوب واستعن على ذلك الطلب بمدد علام الغيوب فإن الظفر لا يحصل إلا بمجرد فضله وإذا أوصلك إلى الشيخ فقد أوصلك إليه كما قلت في الحكم سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه ثم إن الشيخ رضي الله عنه لما ذكر عزة الطريق وفقدان أهلها شرع يتأسف على الاجتماع بهم ويتمناه ويستبعد من نفسه حصول ذلك والتشرف بلقائه تواضعا منه وانكسارا وهضما لنفسه واحتقارا ولذا قال بعد ذلك من لي وأنى لمثلي أن يزاحمهم إلخ وهذا شأن العارف لنفسه بنفسه الممتلي من معرفة ربه المتحلي بواردات قدسه لأنه لا يرى لنفسه حالا ولا مقالا بل يرى نفسه أقل من كل شيء وهذا هو النظر التام كما قيل
( إذا زاد علم المرء زاد تواضعا وإن زاد جهل المرء زاد ترفعا )
( وفي الغصن عن حمل الثمار مناله فإن يعر من حمل الثمار تمنعا )"
وهو كلام يدل على الجنون والخرف فالعلم ليس عند الشيخ ولا أى إنسان وإنما العلم فى كتاب الله المحفوظ كما قال تعالى:
"إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"
فالبحث يكون عن رسالة الله وليس عن إنسان ففى رسالة الحق وأما الناس غمهما بلغوا فلم يصلوا لكلام الله عن طريق إنسان بعد أن انتهت النبوة بحاتم النبيين (ص)
ونجد السكندرى يأتينا بقول غريب وهو هروب شيخ الطريق من مريديه رغم كثرتهم فيقول:
"فانظر إلى الشيخ أبي مدين ورفعته في الطريق مع أنه وصل من تربيته اثنا عشر ألف مريد وانظر إلى هذا التنزل منه والتدلي بأغصان شجرة معرفته إلى أرض الخضوع والانكسار حتى إنه لم ير نفسه أهلا للاجتماع بأهل هذه الطريقة ويزيده هذا الانخفاض من الارتفاع لأن الشجرة لا يزيدها انخفاضها في عروقها إلا ارتفاعا في رأسها"
وهو كلام يدل على الخبل فلو كان يريد الحق فعلا لقاد أتباعه لطاعة الله ولم يهرب منهم لأن الهارب من رسالته كافر بها
ويحدثنا السكندرى عن كون المرء مع من أحب وهو فيقول :
"فتواضع أيها الأخ في الطريق وخذ هذا الأصل العظيم من هذا العارف المتمكن يزل عنك كل تعويق ثم قال رضي الله عنه تعالى بعد ذلك أحبهم . . إلخ أي وإن لم أكن أنا منهم فإني أحبهم ومن أحب قوما فهو منهم كما ورد في الحديث ( المرء مع من أحب ) وكما قيل
( أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة )
( وأكره من بضاعته المعاصي وإن كنا سواء في البضاعة )
وهذا أيضا منه رضي الله تعالى عنه من تمام التنزل السابق وتكميلا وتتميما ولهذا تواضع الذي لم يلحق جواد شرفه في ميدانه لاحق نفعنا الله تعالى ببركاته ووفقنا من معاملاته لأن هذه خصال القوم وصفاتهم ولذلك ارتفعت رتبهم وجزلت عطيتهم كما وصفهم رضي الله تعالى عنه بقوله
( قوم كرام السجايا حيث ما جلسوا يبقى المكان على آثارهم عطرا )
( يهدي التصوف من أخلاقهم طرقا حسن التألف منهم راقني نظرا )
( هم أهل ودي وأحبابي الذين هم ممن يجر ذيول العز مفتخرا )
( لا زال شملي بهم في الله مجتمعا وذنبنا فيه مغفورا ومغتفرا )
( ثم الصلاة على المختار سيدنا محمد خير من أوفى ومن نذرا )
أي قوم سجاياهم كريمة وهمتهم عظيمة حيثما جلسوا تبقى آثار نفحات عطرهم في المكان ظاهرة وأين ما توجهوا تسطع شمس معارفهم فتشرق القلوب وتصلح بهم الدنيا والآخرة يهدي التصوف للسالك المشتاق من أخلاقهم طرقا مجيدة تدل على الطريق ويسير في سلوكه سيرة حميدة فلذلك جمعوا أحسن تأليف حتى راق كل ناظر وجدوا في أكمل معنى لطيف حتى اكتحلت بكحل اثمدهم أنوار البصائر ولذلك قال الشيخ رضي الله تعالى عنه بعد ذلك هم أهل ودي وأحبابي . . إلخ فإن الشخص لا يحب إلا من جانسه ولا يود إلا من كان بينه وبينه مؤانسة وفي هذا الكلام إشارة إلى أنه رضي الله تعالى عنه من جملتهم وطينته من طينتهم وما تقدم منه في التواضع والانكسار دليل على التحقيق في هذا المجد والفخار كما تقدمت الإشارة إلى ذلك فنسأل الله تعالى أن يسلك بنا أحسن المسالك ثم دعا وسأل انه لا يزال شمله مجتمعا بهم في الله تعالى وذنبه مغفورا "
ولو كان الأمر كما قال بالحب فرسول الله (ص) سيكون مع الكفار فى النار لأنه أحب بعضهم وكان يريد هدايتهم حتى نهاه الله عن هذه الإرادة فقال :
"إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء"
فحب الناس لا يعنى أن محبهم معهم فالرسول(ص) فى الجنة ومن أحبهم من الكفار فى النار